محمد حلواني .. بحــر القلــم

b7ralqlm

محسن بيطار صاحب المصادر الترفيهية والثقافية

هناك أشخاص لا يتغيرون أبداً ، ليس معك ولا مع غيرك ، تجدهم هم أنفسهم حتى لو تجاوزوا الأربعين عاماً ، لايغيرهم الثراء ولا الفقر ، لا السعادة ولا الحزن ، لا الفرح ولا البكاء ، تجدهم الشخص نفسه الذي ألفته سواءً كان ذلك في لقاء بمناسبة زفاف أو فوق قبر أحد الأموات أو في صف العزاء أو في أي مكان آخر ، هؤلاء الأشخاص يجعلونك أنت الذي تتغير حين تلتقي بهم ، فتعود مباشرةً إلى ذلك الطفل الذي كنت عليه معهم ، وتجد أنك تنسى أنك متزوج ولديك اطفال وتملئك المسؤوليات وتطالبك البنوك الشخصية بسداد ماعليك من قروض ، ومحسن بيطار ابن عمتي كان أحد هؤلاء القلائل وكان صديقي الثاني الذي لطالما اعتززت به وبسلامة مواقفه ، لم يكن محسن سوى أحد المحسنين الكبار لي ولكن ليس بماله بل بشخصه الكريم ، وحين أقول محسن فأنا أتذكر الكثير جداً وأضحك بلا هوادة ، وحين تسمع ذاكرتي اسم محسن تحتار في أمرها لانه موجود بكل غرف وسراديب الذاكرة ، وبنفس الوجه وبنفس الملامح وبنفس الصفات والطباع والنظارات وكل شيء آخر ، لا تستطيع ذاكرتي من أجل محسن سوى أن تقوم بفتح ملف خاص وتضمه الى قائمة المفضلين ، وحين اقول محسن أحتار في أي بداية أتذكرها معه ، لقد كنا أنا ومحسن متشابهين في قصة الحفيد الأول وكان دائماً ماينام معي في منزلي او أنام أنا في منزله لدرجة أنه قد يقول لي وأنا في غرفتي : اطلع بره أبغى أنام ، وقد أقول له أنا هذا أيضاً وأنا في وسط منزله ، لقد كنت اخترع قصصاً وأكاذيب ومواقف لاخيف بها محسن ، وهو كان يفعل الشيء نفسه ، ولأن محسن كان أكبر مني باعوام كان قد سبقني فيها الى الالعاب الالكترونية و روايات الجيب المصرية و كل شيء آخر ولكن هناك قصتين أضعها على غلاف الملف المفضل الخاص بمحسن في ذاكرتي وعلى باب الجناج الخاص الذي يملكه في سراديب ذاكرتي ، والأولى منها هي تلك الليلة التي ذهبنا فيها الى البقالة سوياً وكنت قد وددت أن أمازحه بأنني لن اشتري له شيئاً من المال الذي أملكه فقال لي محسن : هذا آخر كلام عندك ؟ فأجبت بنعم ، فأخرج من جيبه عشرة ريالات وجلسنا نضحك ، أما المشهد الثاني هو في ليلة أخرى أيضاً سألته بحكم انه أكبر مني سناً وأعلم مني علماً : لماذا العصافير لا تتكهرب ولا تموت حين تقف على أسلاك الكهرباء المكشوفة ؟ فأجابني لأن أقدامها من خشب ؟! ، أنا ومحسن خضنا اللغة والادب وشاهدنا مئات الأفلام بدون شاشة فكمية الروايات التي قرأناها والقصص والخيالات التي عشناها تجعلنا كذلك ، ولقد بدأ ذلك في احدى زياراتي له حين كان من الواضح جداً ولأول مرة أنه مشغول عني بقراءة رواية مصرية وكنت أقترب منه وامازحه واضايقه واحاول ازعاجه او اضحاكه ولكن كل ذلك بلا فائدة ، ولقد رمى لي رواية لكي أنشغل عنها أو لأفهم في ماذا هو غارق ، وما أن تناولت الرواية حتى أصبحنا اثنان صامتين بين أربعة جدران يضحك احدنا قليلاً ويسكت ثم بعد نصف ساعه يضحك الثاني وهكذا  وتجدنا أحياناً نردد عبارة كلنا ذلك الرجل ياعزيزي لقد كانت هذه الجملة هي أكثر جملة نرددها أنا ومحسن وذلك بسبب كثرة تكرارها في الرواية البوليسية المصرية التي بعنوان الرجل المستحيل ( ادهم صبري ) أنا ومحسن قرأنا سلسلة اعداد هذه الرواية كاملة مرتين او ثلاث ويبدو ان الكاتب نفسه كان مصاب بنفس هذه الحمى لأنها أعاد تأليفها بطريقة جديدة وأنا ومحسن اشترينا الاعداد الجديدة لنفس الرواية بطريقة مختلفة ومن ثم انتقلنا الى روايات عبير و روايات ملف المستقبل وفانتازيا وغيرها الكثير ومن ثم انتقلنا الى كتاب ألف ليلة وليلة ومن ثم انتقلنا إلى افلام الشرطي الالي وافلام الترمونيتر وقس على ذلك ماتخللها من ألعاب الكمبيوتر المنزلي والسيجا والنيتندو والتي انتهت أخيراً بالسوني ، لقد كنا هناك مع ماريو وسونيك وكراش واشرطة كرة القدم وحرامي السيارات وغيرهم ، لقد كنا هناك مع بداية دخول القنوات الفضائية ومسلسل رأفت الهجان وعروس البحر ماريلينا ، وفجأة قرر محسن بكبير عطفه واحسانه أن يعرفني على أصدقائه الجدد وبعضهم كانت بيننا وبينه صلة رحم وقرابة ، تلك الفترة أعادت لنا هواية استخدام الدراجات الهوائية وأصبحنا نتسابق بها في الشوارع وبين السيارات ، ومن ثم انتقلنا الى لعب كرة القدم والتنافس للحصول على كأس الحارة ، ومن ثم انتقلنا الى شلل كثيرة أخرى من الأصدقاء انتهت بأصدقاء المراهقة في أحياء السداد والردف وشهار ، وحين أتذكر هذه الفترة أتذكرها بصراخ والدي وهو يقول لي أن صديقه اتصل به وهو يقسم أنه شاهد سيارتنا الجمس موديل تسعة وسبعين يسير على الكفرين الجانبية وفوقه اصدقائي !! لقد كنا أنا والجيران واصدقائي من الحارتين نقوم بتعبئة الاكياس البلاستيكية بالماء ونتحارب في شوارع الحارة بالسيارات كل شخص منا يقذف الاخر بأكياس مملوءة بالماء وأحياناً كان يختلط علينا الحال فقد نشاهد سيارة أحد اصدقائنا ونرشه بالماء ومن ثم يتضح لنا أن هذا والده ، وبالطبع تكون مصيبه كبيرة وقتها ، لقد كانت الخيول تهرب من أصحابها في منتزه الردف المجاور لمنزلنا الجديد وكنا نقوم باللحاق بها ، وكذلك نفعل مع الجمال ، واذا مللنا من ركوب الخيول والجمال نعود لسباق الدراجات النارية أو الالعاب المائية لقد كان يستحق جائزة نوبل من اخترع مسدس الماء،

لقد كان محسن صبوراً علينا أيضاً نحن الأصغر منه سناً ، صبر على سرقتنا لأفضل أفلامه الكرتونية ولأفضل افلامه الكوميدية والبوليسية ولأفضل رواياته ولسيارته الجديدة التي لم تكمل يوماً واحداً لديه وللزجاج الذي تحطم في سيارته أثناء مناوراتنا الحربية في حرب الشوارع التي نخوضها باكياس ومسدسات لا يملئها سوى الماء وأشياء أخرى كثيراً لقد كان محسن محسناً بكل ماتعنيه الكلمة من احسان.

حين أعود بالذاكرة إلى زمن الطفولة واتذكر الالعاب البسيطة التي كنا نلعبها مثل الصخور التي كنا نسميها الزحاليق أو الحجارة الصغيرة التي نجمعها لنلعب بها لعبة الزقطة كما نلعب البرجون أو قطع الكمكم التي نشتريها من العطار أو لعبة الكبريت التي كانت تتحول فيها أيادينا إلى اكثر مايشبه دجاجة محمرة في الفرن أشعر أننا استمتعنا بالطفولة فذكرياتنا لم تكن في دردشة الانترنت ولا في قنوات أفلام الكرتون والتي كانت تجعل البيت بأكمله يصمت حين يعرض فيلم الكرتون الليث الابيض ولقد كانت ثروتنا الأدبيه والعلمية من الروايات والمجلات التي نقرأها ، فلقد علمتنا الاملاء والكتابة والتعبير وصقلت شخصياتنا ووسعت مدارك الخيال في احلامنا البسيطة ولعل مجلة باسم ومجلة ماجد وميكي ماوس وغيرهم من الأبطال مثل سوبر مان والرجل الوطواط والعنكبوت وغيرهم ، تجعلنا نشعر اننا نشاهد فيلماً لا نقرأ رواية ولقد كانت الروايات المصريه للجيب مثل رواية فنتازيا وملف المستقبل والرجل المتسحيل أدهم صبري لها الفضل في أن تعلمنا التقنية والكيمياء والفيزياء قبل الوصول الى المرحلة الثانوية فكان الدكتور نبيل فاروق يكسب فينا الاجر حين يشرح لنا بالتفصيل اسلحة ادهم صبري الرجل المستحيل وأسلحة وأجهزة أبطال رواية ملف المستقبل في سطور صغيرة اسفل الصفحة ويترك لنا أن نتخيل ما يصفه من اجهزة وتقنية معلوماتية أو الكترونية أو كائن ما كانت ، قبل فترة ليست بالبعيدة شعرت بالشوق وأنا في العقد الثالث من عمري للعودة وقراءة روايات ادهم صبري الرجل المستحيل ولكني تفاجئت حين ادركت أن القصه الخيالية مستوحاة من قصة حقيقة لرجل يعمل بالمخابرات المصريه كشف عنه الدكتور نبيل فاروق في العدد رقم 25 من أوراق بطل من سلسلة كوكتيل 2000 أنه ( أكرم صدقي ) وقد لا يدرك الدكتور نبيل فاروق أنه جعلنا جميعاً عشاقاً للبطل أكرم صدقي دون ان نعلم بمجرد أن كشف القناع عن شخصيته الحقيقية والتي لطالما كانت للكثيرين أفضل بمراحل من قصة البطل جيمس بوند المعروف بالعميل 007 وهذا أيضاً يجعلني أتذكر الموسيقى الحزينة في مسلسل رأفت الهجان كلما قرأت احدى روايات ادهم صبري إننا في تصفحنا لرواية نغرم او في متابعتنا لمسلسل نغرم بكثير من الأمور التي لا ندركها الا مؤخراً ولا ندرك متى تقفز السطور التي قرأناها من وحي الخيال الى شاطئ الواقع إنني أتسائل الى الان عن عدم قيام أحد المخرجين المصريين بمسلسل خيالي لأدهم صبري او حقيقي لأكرم صدقي على الشاشة المصرية ألا يستحق أن يكون له ملف خاص في السينما كملف رأفت الهجان وأن تؤلف من اجله موسيقى اجمل من موسيقى فيلم العراب ، المضحك أنني حتى بعد هذا العمر حين أقود سيارتي بسرعه أتذكر مقطعاً لرواية ادهم صبري يقول : ( ولكن السيارة وكأنها عرفت أن من يقودها أدهم صبري وسلمته نفسها وأصبحت في متناوله أسرع من سيارات السباق وأكثر سلاسة في الطرقات) أن تشاهد فيلماً وتشعر أنك تقرأ رواية ما ، فهذا أمرٌ طبيعي ؛ ولكن الأمر الخارق هو أنك تقرأ رواية وتشعر أنك تشاهد فيلماً

http://www.arjja.com/articles-action-show-id-859.htm

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 31 أكتوبر,2014 by in غير مصنف.

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: